محمد بن علي الشوكاني
314
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وللناس في معنى هذا قولان : أحدهما : أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال : كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا ، وإنا نتوسلك إليك بعم نبينا . وهو في صحيح البخاري ( 1 ) وغيره ، فقد ذكر عمر - رضي الله عنه - أنهم كانوا يتوسلون بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - [ 4 ] في حياته في الاستسقاء ، ثم توسلوا بعمه العباس بعد موته ، وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه ، فيكون هو وسيلتهم إلى الله . والنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كان مثل هذا شافعا وداعيا لهم . والقول الثاني : أن التوسل به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يكون في حياته وبعد موته ( 2 ) ، وفي حضرته ومغيبه . ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - في حياته ، وثبت التوسل بغيره من الأحياء بعد موته بإجماع الصحابة سكوتيا لعدم إنكار أحد منهم على عمر - رضي الله عنه - في توسله بالعباس - رضي الله عنه - . وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كما زعمه الشيخ عز ( 3 ) بن عبد السلام لأمرين :
--> ( 1 ) في صحيحه رقم ( 1010 ) وطرفه ( 3710 ) . ( 2 ) قال ابن تيمية في قاعدة التوسل والوسيلة ( ص 152 ) : فلو كان التوسل به حيا وميتا سواء ، والمتوسل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدع له الرسول ، لم يعدلوا عن التوسل به - وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربه ، وأقربهم إليه وسيلة - إلى أن يتوسلوا بغيره ممن ليس مثله . وكذلك لو كان أعمى توسل به ولم يدعو له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى ، لكان عميان الصحابة أو بعضهم مثل ما فعل الأعمى فعدولهم عن هذا إلى هذا - مع أنهم السابقون الأولون المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، فإنهم أعلم منا بالله ورسوله ، وبحقوق الله ورسوله ، وما يشرع من الدعاء وينفع وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره . وهم في وقت ضرورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات ، وتيسير العسير ، وإنزال الغيث بكل طريق ممكن - دليل على أن المشروع ما سألوه دون ما تركوه . ( 3 ) ذكره ابن تيمية في " الفتاوى " ( 1 / 347 ) .